الجصاص

256

أحكام القرآن

الكبر والضعف أو لم يبلغا فعليه الإحسان إليهما وهو مزجور أن يقول لهما أف ، وهي كلمة تدل على الضجر والتبرم بمن يخاطب بها . قوله تعالى : ( ولا تنهرهما ) معناه : لا تزجرهما على وجه الاستخفاف بهما والإغلاظ لهما . قال قتادة في قوله : ( وقل لهما قولا كريما ) قال : " لينا سهلا " . وقال هشام بن عروة عن أبيه : ( واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ) قال : " لا تمنعهما شيئا يريد انه " . وروى هشام عن الحسن أنه سئل : ما بر الوالدين ؟ قال : " أن تبذل لهما ما ملكت وأطعهما فيما أمراك ما لم يكن معصية " . وروى عمرو بن عثمان عن واصل بن السائب : ( واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ) قال : " لا تنفض يدك عليهما " . وقال عروة بن الزبير : " ما بر والده من أحد النظر إليه " . وعن أبي الهياج قال : سألت سعيد بن المسيب عن قوله : ( قولا كريما ) قال : " قول العبد الذليل للسيد الفظ الغليظ " . وعن عبد الله الرصافي قال : حدثني عطاء في قوله تعالى : ( واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ) قال : " يداك لا ترفعهما على أبويك ولا تحد بصرك إليهما إجلالا وتعظيما " . قال أبو بكر : قوله تعالى : ( واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ) هو مجاز ، لأن الذل ليس له جناح ولا يوصف بذلك ، ولكنه أراد المبالغة في التذلل والتواضع لهما ، وهو كقول امرئ القيس في وصف الليل : فقلت له لما تمطى بصلبه * وأردف أعجازا وناء بكلكل وليس لليل صلب ولا إعجاز ولا كلكل ، وهو مجاز ، وإنما أراد به تكامله واستواءه . قوله تعالى : ( وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا ) فيه الأمر بالدعاء لهما بالرحمة والمغفرة إذا كانا مسلمين ، لأنه قال في موضع آخر : ( ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى ) [ التوبة : 113 ] ، فعلمنا أن مراده بالدعاء للوالدين خاص في المؤمنين وبين الله تعالى بهذه الآية تأكيد حق الأبوين ، فقرن الأمر بالإحسان إليهما إلى الأمر بالتوحيد فقال : ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا ) ، ثم بين صفة الإحسان إليهما بالقول والفعل والمخاطبة الجميلة على وجه التذلل والخضوع ونهى عن التبرم والتضجر بهما بقوله : ( فلا تقل لهما أف ) ونهى عن الإغلاظ والزجر لهما بقوله ( ولا تنهرهما ) ، فأمر بلين القول والاستجابة لهما إلى ما يأمرانه به ما لم يكن معصية ، ثم عقبه بالأمر بالدعاء لهما في الحياة وبعد الوفاة . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه عظم حق الأم على الأب . وروى أبو زرعة بن عمرو بن جرير عن أبي هريرة قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله من أحق الناس بحسن